جلال الدين الرومي
4
المثنوي المعنوي ( معرب الدسوقي )
والواقع أن هذا الحضور الدائم لله في الإنسان هو الذي يعطي الجدلية الصوفية في بعض الأحيان بعض الغرابة والذي أوقعها كما سنري - في تناقضات عديدة مع كثير من المشارب والنحل الإسلامية الأخرى ، وجعلها تجربة شديدة الخصوصية بمصطلحاتها ومادتها . ولعلنا نغفل كثيرا من جوانب الفكر الصوفي إذا قلنا أن هذا الفكر ينشغل فحسب بهذه العلاقة بين الإنسان والله أو المخلوق والخالق بشكل انتزاعي وأنه لا يأبه بحياة الإنسان في جحيم الأرض ويشغله بقضية فوق طاقته تستنزف منه الجهد والطاقة وتصرفه عن تنمية نفسه « وبلده » وتلقي به في أمور غريبة لا تفضي إلى نتيجة ولا تؤدي إلى ثمرة ، والذي ينظر هذه النظرة إنما ينظر إلى الفكر الصوفي أو بمعني أصح إلي التصرف في عصور ضعفة وانحطاطه « وقد أصابه ما أصاب الإسلام ككل من سوء فهم وانحدار فكري وتحميل لفهم الآخرين أو لتفهيم الآخرين لنا أصولنا الثقافية » ، فإن أساس التربية الصوفية ، وتشكيل الشخصية وتنميتها وصقلها وتقويتها على أسس سليمة قائمة على جعل هذا الإنسان الغارق في الطين ، المخلوق من الحمأ المسنون ، إنسانا أعلى كاملا جديرا بالنفخة الإلهية التي نفخت في آدم وورثها هو وأصبح مسؤولا عنها . . كل التربية الصوفية والأخلاق الصوفية تجعل جل همها محو آثار هذا الطين وتجلية الروح « النفخة الإلهية » ورد الإنسان إلى أصله « مخلوقا إلهيا » لا هو بالمتدني ولا بالوضيع ولا بالجبان ولا بالهلوع ولا جاعلا الطين منتهي همه ومبلغ علمه مع ما يمكن أن يصل إليه هذا الاهتمام « بالطين » وإعطاء الظهر تماما للنفخة الإلهية من أن يتحول « الإنسان » ذلك المخلوق الإلهي إلي دابة هملاء أو سبع ضار « 1 » . وما يؤدي إليه هذا
--> ( 1 ) أنظر الكتاب الذي بين أيدينا الأبيات 1454 - 1490 .